ابن رشد

148

تهافت التهافت

هذا لجاز أن يقال : كل أجسام العالم نوع واحد في الجسمية فيكفيها علة واحدة ، فإن كان اختلاف صفاتها وجواهرها وطبائعها دل على اختلافها فكذا الكواكب مختلفة لا محالة ويفتقر كل واحد إلى علة لصورته وعلة لهيولاه وعلة لاختصاصه بطبيعته المسخنة أو المبردة أو السعيدة أو النحسة ولاختصاصه بموضعه ثم لاختصاص جملها بأشكال البهائم المختلفة ، وهذا الكثرة إن تصور أن تعقل في العقل الثاني تصور في الأول ووقع الاستغناء . قلت : هذا الشك قد فرغ منه ، وهو من معنى ما كثر به في هذا الباب وإذا قدرت الجواب الذي ذكرناه عنهم لم يلزم شيء من هذه المحالات ، وأما إذا فهم من القول أن الواحد بالعدد البسيط لا يصدر عنه إلا واحد بسيط بالعدد لا واحد بالعدد من جهة وكثير من جهة ، وأن الوحدانية منه هي علة وجود الكثرة ، فلن ينفك من هذه الشكوك أبدا . وأيضا فإن الأشياء إنما تكثر عند الفلاسفة بالفصول الجوهرية ، وأما اختلاف الأشياء من قبل إعراضها ، فليس يوجب عندهم اختلافا في الجوهر ، كمية كانت ، أو كيفية ، أو غير ذلك من أنواع المقولات ، والأجسام السماوية كما قلنا ليست مركبة من هيولى وصورة ولا هي مختلفة بالنوع ، إذ ليست تشترك عندهم في جنس واحد ، لأنها لو اشتركت في جنس لكانت مركبة ولم تكن بسيطة ، وقد تقدم القول في هذه الأشياء فلا معنى لتكثير القول فيه . الاعتراض الخامس : قال أبو حامد : هو أنا نقول : إن سلمنا هذه الأوضاع الباردة والتحكمات الفاسدة ، ولكن كيف لا يستحيون من قولهم أن كون المعلول الأول ممكن الوجود اقتضى وجود جرم الفلك الأقصى منه وعقله نفسه اقتضى وجود نفس الفلك منه وعقله الأول يقتضي وجود عقل منه وما الفصل بين هذا وبين قائل عرف وجود إنسان غائب وأنه ممكن الوجود وأنه يعقل نفسه وصانعه فقال يلزم من كونه ممكن الوجود وجود فلك ، فيقال له : وأي مناسبة بين كونه ممكن الوجود وبين وجود فلك منه وكذلك يلزم من كونه عاقلا لنفسه ولصانعه شيئا آخران وهذا إذا قيل في إنسان ضحك منه وكذا في موجود آخر إذ إمكان الوجود قضية لا تختلف باختلاف ذات الممكن إنسانا كان أو ملكا أو فلكا فلست أدري كيف يقنع المجنون نفسه بمثل هذه الأوضاع ، فضلا عن العقلاء الذين يشقون الشعر بزعمهم في المعقولات . قلت : أما هذه الأقاويل كلها التي هي أقاويل ابن سينا ومن قال بمثل قوله ، فهي أقاويل غير صادقة ليست جارية على أصول الفلاسفة ، ولكن ليست تبلغ من عدم الإقناع المبلغ الذي ذكره هذا الرجل ولا الصورة التي صور فيها هي صورة حقيقية . وذلك أن الإنسان الذي فرضه ممكن الوجود من ذاته واجبا